ابن الأثير

372

الكامل في التاريخ

وطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة أيّام ، فأجابهم إلى ذلك . فلمّا سمع نور الدين بما فعله صلاح الدين سار عن دمشق قاصدا بلاد الفرنج أيضا ليدخل إليها من جهة أخرى ، فقيل لصلاح الدين : إن دخل نور الدين بلاد الفرنج ، وهم على هذه الحال : أنت من جانب ونور الدين من جانب ، ملكها ، ومتى زال الفرنج عن الطريق وأخذ ملكهم لم يبق بديار مصر مقام مع نور الدين ، وإن جاء نور الدين إليك وأنت هاهنا ، فلا بدّ لك من الاجتماع به ، وحينئذ يكون هو المتحكّم فيك بما شاء ، إن شاء تركك ، وإن شاء عزلك ، فقد لا تقدر على الامتناع عليه ، والمصلحة الرجوع إلى مصر . فرحل عن الشّوبك عائدا إلى مصر ، ولم يأخذه من الفرنج ، وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال البلاد المصريّة لأمور بلغته عن بعض شيعته العلويّين ، وأنّهم عازمون على الوثوب بها ، فإنّه يخاف عليها من البعد عنها أن يقوم أهلها على من تخلّف بها فيخرجوهم وتعود ممتنعة ، وأطال الاعتذار ، فلم يقبلها نور الدين منه ، وتغيّر عليه وعزم على الدّخول إلى مصر وإخراجه عنها . وظهر ذلك فسمع صلاح الدين الخبر ، فجمع أهله ، وفيهم أبوه نجم الدين أيّوب ، وخاله شهاب الدين الحارميّ ، ومعهم سائر الأمراء ، وأعلمهم ما بلغه من عزم نور الدين وحركته إليه ، واستشارهم ، فلم يجبه أحد بكلمة واحدة ، فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين فقال : إذا جاءنا قاتلناه ، ومنعناه عن البلاد ، ووافقه غيره من أهلهم ، فشتمهم نجم الدين أيّوب ، وأنكر ذلك ، واستعظمه ، وشتم تقي الدين وأقعده ، وقال لصلاح الدين : أنا أبوك وهذا خالك شهاب الدين ، ونحن أكثر محبّة لك من جميع من ترى ، وو اللَّه لو رأيت أنا وخالك هذا نور الدين ، لم يمكنا إلّا أن نقبّل الأرض بين يديه ، ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا ، فإذا كنّا نحن هكذا ، فما ظنّك بغيرنا ؟ وكلّ من تراه عندك من الأمراء لو رأوا نور الدين وحده لم يتجاسروا على